samedi 25 janvier 2014

الفكر السياسي الإغريقي:


الفكر السياسي الإغريقي:

تمكنت حضارة بلاد الإغريق القديمة من صياغة القانون كنظام ذي ملامح إنسانية واضحة، فقبل عصر الإغريق، كان أكثر الشعوب يعتقد أن الآلهة هي فقط من يملك سلطة إصدار القوانين، ولقد اعتقد الإغريق أن الآلهة أوجبوا على البشر إطاعة القوانين، إلا أنهم اعتقدوا أيضا أن للبشر سلطة الإصدار والتعديل.
في سنة 621 ق.م وضع سياسي يسمى "دراكو" Draco أول مجموعة قوانين مكتوبة في أثينا، كان الهدف منها التقليل من الاستياء الذي سببه النظام القضائي في أثينا آنذاك، الذي كان يستند على قوانين غير مكتوبة لا يعرفها سوى قلة من القضاة الأرستقراطيين الذين عرفوا بمحاباتهم للنبلاء، وبتدوينه للقوانين أتاح "دراكو" لكل الناس إمكانية التعرف على هذه القوانين، ولقد قيل عن قوانين دراكو أنها كتبت بالدم، كونها نصت على عقوبة معظم الجرائم بالإعدام.
         وضع قانون دراكو مسؤولية توقيع العقوبة على المجرم في يد الحكومة، خلافا لما جرت عليه العادة في السابق، حيث كان الكل يأخذ ثأره بنفسه، لقد أدى وضع مسؤولية تنفيذ القانون في يد الحكومة الأثينية، إلى أن أصبحت أثينا إحدى أوائل الدول المدن.
01- الفكر السياسي عند سولون:
         يعرف سولون Solon  (559-639 ق.م)، بأنه أحد الرجال السبعة الحكماء في اليونان القديمة، عين أرخونا Archon أي حاكما أولا، وأوكلت إليه سلطة تغيير قوانين دراكو، وذلك في وقت كانت فيه أثينا بحاجة إلى تغيير سياسي واقتصادي، ولقد كان القدر الأكبر من الثروة متمركزا في يد قلة من المواطنين ذوي النفوذ، وكان المزارعون قد أجبروا على رهن أراضيهم مقابل استدانة المال، مقدمين أنفسهم وأسرهم ضمانات للدين، فأصدر سولون قانونا يلغي كل تلك الديون والرهونات، ويحرر من صاروا أرقاء، كما قام بتعديل النظم المالية لتسهيل التجارة الخارجية، غير أنه أصدر قانونا يمنع تصدير الحبوب.
  أعادت إصلاحات سولون الدستورية تقسيم المواطنين إلى أربع طبقات وفقا للدخل، وسمح للمواطنين من كل الطبقات بأن يصبحوا أعضاء في الجمعية التشريعية، وفي المحاكم المدنية ، وقد أسس مجلسا من 400 شخص للاضطلاع بالسلطات السياسية في المجلس القضائي "الأريوباغوس" Areopagus ، وأقام المحاكم الشعبية التي يستطيع المواطنون أن يحتكموا إليها، ويستأنفوا ضد قرارات موظف في الدولة، وبالرغم من أن إصلاحات سولون أبقت على حكم الأقلية، إلا أنها كانت خطوة مؤكدة في مسار الديمقراطية الأثينية.
لقد سعى سولون إلى إدخال المثل الأعلى للمساواة الاجتماعية في دولة أثرت عليها الأوضاع الاقتصادية، وقد وضع خطة لتوزيع الأراضي، على النحو الذي يشبه ما يعرف بالإصلاح الزراعي في العصر الحديث.
         إن إيمان سولون بسيادة القانون وضرورة تكريس ذلك، هي التي جعلته يصوغ مبدأ حق الجماعة- والتي لها مبادئ مشتركة- في أن تضع لنفسها قوانين، تعترف الدولة بصلاحيتها، وشرعيتها بالنسبة لأعضاء الجماعة ، مادامت لا تتعارض مع قوانينها، وهو ما يأخذ صور الأحزاب أو النقابات، أو الجمعيات في العصر الحالي.
02- أثر الساسة الإغريق قبل أفلاطون في إرساء الفكر السياسي:
2-1- كليسثينيز Cleisthenes: يعد كليسثينيز رجل دولة في أثينا القديمة، وقد أرسى نظاما ديمقراطيا وحصل من خلال ذلك على مساندة الشعب الأثيني، وقام حينئذ بإصلاح التنظيمات القبلية في أثينا القديمة، ووضع نهاية للتحكم السياسي لقبائل النبلاء، وكان للحكومة مجلس من 500 عضو ، يتم اختيارهم كل عام بالانتخابات، وكانت العضوية مفتوحة أمام أي مواطن، وفي سبيل حماية الديمقراطية الناشئة، سن كليسثينيز قانون النفي والإقصاء للسياسيين الذين يعتقد انهم خطيرون.
2-2- بيركليسPericles (429-490 ق.م): يعد بيركليس رجل دولة يوناني، أطلق اسمه على أكثر عهود أثينا قوة، فاصطلح على تسميته بعصر بيركليس، وقد ترأس الحكومة الأثينية لفترة تجاوزت الثلاثين عاما، كان بيركليس مصمما على مواصلة إصلاحات خاله كليسثينيز، لذا فقد أدخل نظام الرواتب التي صارت تمنح لموظفي الخدمة العامة في الدولة، ولم يكونوا حتى ذلك الوقت يتقاضون أجورا على أعمالهم، ولتنفيذ ذلك بدا بتطبيق هذا القانون على الموظفين المنتخبين الذين يسمون الأرخون، ثم عمم الإجراء على بقية الموظفين، ويورد أرسطو في كتابه دستور أثينا، أنه كان هناك ما لا يقل عن 20000 مواطن دونت أسماؤهم في السجلات الخاصة برواتب الخدمات العامة، ولقد سمح بيركليس في إصلاحاته لعامة الشعب بتقلد أي عمل من أعمال الدولة.
أراد بيركليس تعزيز قوة دولته، وأن يجعل من أثينا أقوى دولة في بلاد اليونان. وعمل على بسط سلطة أثينا عن طريق الفتوحات الخارجية، لذا فقد خاضت قوات أثينا حروبًا طويلة، خاصة مع اسبرطة.

03-  الفكر السياسي عند أفلاطون:
         يعد أفلاطون (347-427 ق.م) واحدا من أهم المفكرين في تاريخ الحضارة الغربية يتصل بقرابة للمشرع سولون من ناحية أمه، وكلمة أفلاطون تعني "ذا الكتفين العريضين" أما اسمه الحقيقي فهو "أرستوكليس"، تأثر كثيرا بأستاذه سقراط Socrates الذي جعله فيما بعد أساس محاوراته الفلسفية.
عاصر أفلاطون الصراعات والثورات الداخلية والخارجية التي كانت بلاد اليونان مسرحا لها، كما عاصر أيضا أنظمة حكم عدد من المستبدين، وعلى هذا الأساس سعى أفلاطون نحو البحث عن بيئة يجسد فيها أفكاره.
اقتنع أفلاطون بأن العلم والمعرفة لا يمكن فصلهما عن أي نظام سياسي عادل، كما أنه كان لا يثق في الديمقراطية التي قامت في أثينا.
يمكن التطرق إلى أفكار أفلاطون السياسية من خلال ثلاث كتب رئيسية:
         - الجمهورية Republic (الجمهورية الفاضلة MoralistRepublic).
         - رجل الدولة.
         - القوانين.
ألف أفلاطون كتاب الجمهورية في شبابه، وتناول دراسة الفرد الصالح والحياة الصالحة التي يجب أن تكون في دولة صالحة، ودرس ماهية الخير وسبيل الحصول عليه، كما تناول النشاط الفردي والجماعي، وعلم الأخلاق والاقتصاد والفلسفة.
تتجسد الفكرة الأساسية في الجمهورية في أن الفضيلة هي المعرفة، والمعرفة الحقة هي المثل، وهو ما جعل هذه الآراء تندرج تحت نظرية المثل.
أسس أفلاطون نظريته الأخلاقية على الطرح القائل بأن كل البشر يرغبون في السعادة، وقد رأى أن السعادة هي النتيجة الطبيعية لحالة الروح المتمتعة بالصحة، وبما أن اكتساب الفضائل الأخلاقية ينتج عنها صحة الروح، فإن على الناس أن يكونوا فاضلين، ولقد أكد أفلاطون أن النفس تنقسم إلى ثلاث أجزاء:
         - الذهن Mind.
         - الإرادة will.
         - الشهوة Desire.
وقد شبه المجتمع المثالي بالنفس، وقال أنه ينقسم أيضا إلى ثلاث طبقات:
         - الملوك الفلاسفة.
         - الحراس أو الجنود.
         - المواطنون العاديون (مزارعون، حرفيون).
وبذلك أوجد العلاقة المتعدية في هذه الدولة الفاضلة، من خلال سيطرة الملوك الفلاسفة على المواطنين العاديين بواسطة الجنود.
في كتابه رجل الدولة (السياسي) تراجع أفلاطون عن بعض أفكاره التي تضمنها الكتاب الأول، لتناقض هذه الأفكار مع الشعور السائد لدى الأثينيين بخصوص الديمقراطية، كما أنه لم يركز كثيرا على فكرة الحاكم الفيلسوف ، خاصة مع معايشته لواقع مختلف تماما عن ما أراده، حيث عاش الاستبداد والجهل لدى الحكام، وأعطى مثالا لذلك بدولة إسبرطاSparte.
يمثل كتاب القوانين ثالث كتب أفلاطون السياسية، وقد جاء بعد كتاب الجمهورية بحوالي 30 سنة، ويعبر عن أفكار أكثر واقعية، وقد اعترف أفلاطون عبره بوجوب سيادة القانون، أي أنه أعاد الاعتبار للقوانين الدستورية، التي هي جزأ لا يتجزأ من الثقافة الأثينية، ونقطة التحول في فكر أفلاطون السياسي، هي قناعته الجديدة بخضوع الحاكم الفيلسوف والمحكومين على حد سواء للقانون والدستور، ولقد أقر أفلاطون أن ما طالب به سابقا ، هو على درجة كبيرة من المثالية، وأن الواقع يفرض ضرورة المشاركة في الحكم من باقي المواطنين.
تناول أفلاطون في كتابه القوانين عدة مفاهيم أهمها الدساتير والتشريعات، كما اقترح تنظيم المجتمع على أساس الملكية، وتراجع عن فكرة عدم تكوين الأسرة، وفضل من أنظمة الحكم: النظام المختلط الذي يشمل الأرستقراطية والديمقراطية.
رتب أفلاطون أنظمة الحكم حسب الأفضلية على النحو التالي:
- الحكومة الأرستقراطية: وهي حكومة الفرد الفاضل، حيث لا يكون بحاجة إلى قوانين تقيده، ففضيلته وحكمته تجعلانه يتخذ القرار الصائب ويقمع دوما الفساد.
-الحكومة التيمقراطية: هي حكومة الأقلية العسكرية، التي تصل إلى الحكم بواسطة قوتها، ونتيجة فساد الحكومة الأرستقراطية، وهي مظهر لانحلال الدولة المثالية.
- الحكومة الأوليغارشية: وهي حكومة الأقلية الغنية مقابل الأغلبية الفقيرة، وتنشأ في ظل اتساع الهوة بين الطرفين، وكنتيجة لفساد الأقلية العسكرية.
- الحكومة الديمقراطية: وهي حكومة الشعب التي تتحقق بانتشار الحرية والمساواة في المجتمع، وتحقيقا لرغبة الأغلبية الفقيرة المتضررة من فساد حكومة الأقلية الغنية.
5- حكومة الاستبداد (الطغيان) Dictatorial  أو Absolutism: تنشأ هذه الحكومة عند فساد الديمقراطية وانتشار الفوضى في المجتمع، الشيء الذي يدفع بفرد ما إلى الاستيلاء على الحكم، والانفراد به، وإنشاء حكومة الفرد الطاغية ، حيث اللاأمن واللااستقرار.
إن هذه الأشكال من الأنظمة تمثل دائرة متعاقبة، في ظل توفر ظروف وأسباب معينة.

04- الفكر السياسي عند أرسطو:
أرسطو Aristot (322-384 ق.م) معلم الإسكندر الأكبر، وقد أطلق على أرسطو وتلاميذه "المشاؤون"، لأن أرسطو كان يلقي دروسه أثناء المشي والتجوال مع تلاميذه، لهذا عرفت فلسفته بـ "الفلسفة المشائية".
يعد أرسطو أول من أدخل المنهجية في علم السياسة، وقد قام بتحليل الدساتير اليونانية، والتعرف على أنظمة الحكم قبل أن يبدي رأيه في المسائل السياسية، معتمدا على المنطق، وساعد اعتماده على المنطق واختلاطه بمثالية أستاذه أفلاطون على دراسة واقع الدويلات الإغريقية بشكل أكثر تعمقا.
درس أرسطو في أكاديمية أفلاطون وكان يقول أحب الحق وأحب أفلاطون، وأوثر الحق على أفلاطون، قام أرسطو بتعليم الإسكندر لمدة 06 سنوات ثم قام بافتتاح مدرسة خاصة به، وبنى أفكاره ونظرياته من خلال التجارب السابقة للدويلات اليونانية، ولقد حدث تحول في منهج التفكير السياسي، فبعد أن كان قياسيا عند أفلاطون، أصبح استقرائيا لدى أرسطو (من تجريدي إلى حسي).
تمثل الدولة عند أرسطو نتاجا لتطور تاريخي، فهي مرت بمراحل اجتماعية قبل أن تصل إلى مرحلة الدولة، ويعتقد أن الضمان الوحيد للحكم الصالح في الدولة هو القانون، ولقد كان لأرسطو مفهوم للدولة المثالية ، يرى فيه أن الدولة الدستورية هي المثل الأعلى، ولا يؤمن ولا يثق بالحكم المطلق ، مهما كانت صفات الحاكم، ولو كان فيلسوفا.
إن الحكومة الدستورية أفضل شكل عملي للحكومة، فهي الشكل الذي يجمع بين العناصر الصالحة في كل من الديمقراطية والأوليغارشية، ولكن دون تطرف في كل منهما.
يعتبر أرسطو العلاقة في الدولة الدستورية، علاقة بين أحرار وليست علاقة طبقية ولا عائلية، وبالتالي فإن سلطة الحاكم ليست سلطة السيد على عبيده، ولا هي سلطة رب العائلة تجاه أفراد عائلته.
صنف أرسطو الحكومات إلى ثلاث أنواع :
- حكومة الفرد – حكومة الأقلية – حكومة الأكثرية.
يبرز فضل أرسطو على التفكير السياسي من خلال تصنيفه السياسة ضمن العلوم، إلا أنه أحيانا دمج علم الاقتصاد بعلم السياسة، وربط السياسة بالأخلاق، وقال بأن الإنسان حيوان سياسي، وظيفته تحكيم العقل من أجل تحقق السعادة، إضافة إلى أن الإنسان حيوان سياسي فهو اجتماعي، سواء في أسرته أو في المجتمع، ويتحدث أرسطو عن الانتقال من العلاقات الأسرية إلى إطار أشمل هو العلاقات المجتمعية، حيث تكون الدولة أسمى من الفرد والعائلة والقربى، يمنح أرسطو ثلاث شروط للمدينة الصالحة:
         - أن تكون المدينة محدودة السكان، بحيث لا يتعدى هؤلاء 100 ألف نسمة، وللتحكم في هذا العدد يجب تحديد النسل عن طريق الإجهاض وإعدام المشوهين، وإخضاع الزواج للمراقبة (عدم الزواج في سن مبكر، منع زواج المختلين عقليا، عدم الإنجاب في سن الشيخوخة).
         - أن تكون المدينة محصنة من الأعداء، وبجيش قوي، وأن يكون موقعها على البحر من أجل تموينها في حالة الحصار.
         - أن تتألف المدينة من عدة طوائف (الحكام، العمال، الفلاحين،..) وأن لا تحل طائفة محل أخرى.
يرى أرسطو أن الحرب والغزو والاحتلال والتوسع، هي وسائل مشروعة للتملك، وهي مباحة فقط للإغريق، فالبشر في نظر أرسطو قسمان: السادة هم الإغريق، والباقي هم العبيد.
نظر أرسطو إلى المرأة نظرة احتقار واعتبرها تابعة للرجل، وركز على مسألة الفصل بين السلطات في مجمل أبحاثه ومن خلال هذا الفصل تمكن من التمييز بين الحكومات الصالحة والفاسدة، والحكومات الصالحة في نظر أرسطو:
         1- الحكومة الدستورية.
         2- الحكومة الأرستقراطية.
         3- الحكومة الديمقراطية.
أما الحكومات الفاسدة فهي :
         1- الحكومة الاستبدادية.
         2- الحكومة الأوليغارشية.
         3- الحكومة الديماغوجية (حكومة الغوغاء).
يفضل أرسطو الحكومة الديمقراطية القائمة على دستور، تحدد فيه الصلاحيات، وذلك لما يلي:
- القوانين في خدمة العامة والدستور يحمي المصالح العامة.
- الدستور هو منهج للعمل بالنسبة لكل الحكومة.
- حكم القانون يشعر الأفراد بالارتياح النفسي والشعور الوطني، وبقدرتهم على الاختيار.

jeudi 23 janvier 2014

تربية المواطنة : الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة



تربية المواطنة : الاتجاهات
المعاصرة في تربية المواطنة 
إعــــــداد
الأستاذ  الدكتور / فهد إبراهيم الحبيب
أستاذ سياسة التعليم الإدارة التربوية
أولاً – أهم المفاهيم المرتبطة بالمواطنة :
       ورد في لسان العرب بأن مفهوم الوطن لغة يشير إلى المنزل يقيم فيه الإنسان، فهو وطنه ومحله (ابن منظور، 2000م، ص 239).  
       أما اصطلاحاً فتعرفه آمنة حجازي بأنه بشكل عام قطعة الأرض التي تعمرها الأمة، وبشكل خاص هو المسكن فالروح وطن لأنها مسكن الإدراكات، والبدن وطن لكونه مسكن الروح، والثياب وطن لكونها مسكن البدن، فالمنزل والمدينة والدولة والعالم كلها أوطان لكونها مساكن (حجازي، 2000م، ص 80). وينظر الحقيل للوطن بأنه "البلد التي يقيم فيها الإنسان ويتخذها مستقراً له. ولذلك فهو شبيه بالمنزل، فالمنزل هو المكان الصغير الذي يسكن فيه فرد مع أسرته، والوطن هو المنزل الكبير الذي يضم عدداً كبيراً من الأفراد والأسر (الحقيل، 1990م، ص 19).
مفهوم المواطنـة :
       تعرف الموسوعة العربية العالمية المواطنة بأنها "اصطلاح يشير إلى الانتماء إلى أمة أو وطن" (1996م، ص 311). وفي قاموس علم الاجتماع تم تعريفها على أنها مكانة أو علاقة اجتماعية تقوم بين فرد طبيعي ومجتمع سياسي (دولة)، ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف الأول الولاء، ويتولى الطرف الثاني الحماية، وتتحدد هذه العلاقة بين الفرد والدولة عن طريق القانون" (غيث، 1995م، ص 56). وينظر إليها فتحي هلال وآخرون من منظور نفسي بأنها الشعور بالانتماء والولاء للوطن وللقيادة السياسية التي هي مصدر الإشباع للحاجات الأساسية وحماية الذات من الأخطار المصيرية" (هلال، 2000م، ص 25).   أما التعريف الإسلامي للمواطنة فينطلق من خلال القواعد والأسس التي تنبني عليها الرؤية الإسلامية لعنصري المواطنة وهما الوطن والمواطن وبالتالي فإن الشريعة الإسلامية ترى أن المواطنة هي تعبير عن الصلة التي تربط بين المسلم كفرد وعناصر الأمة، وهي الأفراد المسلمين، والحاكم والإمام، وتُتوج هذه الصلات جميعاً الصلة التي تجمع بين المسلمين وحكامهم من جهة، وبين الأرض التي يقمون عليها من جهة أخرى. وبمعنى آخر فإن المواطنة هي تعبير عن طبيعة وجوهر الصلات القائمة بين دار الإسلام وهي (وطن الإسلام) وبين من يقيمون على هذا الوطن أو هذه الدار من المسلمين وغيرهم (هويدي، 1995م، ص 13).
       ويؤكد ذلك القحطاني بقوله إنَّ مفهوم المواطنة من المنظور الإسلامي هي "مجموعة العلاقات والروابط والصلات التي تنشأ بين دار الإسلام وكل من يقطن هذه الدار سواء أكانوا مسلمين أم ذميين أم مستأمنين" (القحطاني، 1419هـ).
       كما أن هناك مستويات للشعور بالمواطنة أوردها رضوان أبوالفتوح في النقاط التاليـة :
1  -  شعور الفرد بالروابط المشتركة بينه وبين بقية أفراد الجماعة كالدم والجوار والموطن وطريقة الحياة بما فيها من عادات وتقاليد ونظم وقيم وعقائد ومهن وقوانين وغيرها.
2  -  شعور الفرد باستمرار هذه الجماعة على مر العصور ، وأنه مع جيله نتيجة للماضي وأنه وجيله بذرة المستقبل.
3  -  شعور الفرد بالارتباط بالوطن وبالانتماء للجماعة، أي بارتباط مستقبله بمستقبلها وانعكاس كل ما يصيبها على نفسه، وكل ما يصيبه عليها.
4  -  اندماج هذا الشعور في فكر واحد واتجاه واحد حركة واحدة. (رضوان، 1960م، ص 127). ومعنى ذلك أن مصطلح المواطنة يستوعب وجود علاقة بين الدولة أو الوطن والمواطن وأنها تقوم على الكفاءة الاجتماعية والسياسية للفرد، كما تستلزم المواطنة الفاعلة توافر صفات أساسية في المواطن تجعل منه شخصية مؤثرة في الحياة العامة، والتأثير في الحياة العامة والقدرة على المشاركة في التشريع واتخاذ القرارات (http://www.vob.org/Arabic/lessons/lessons 38.htm).
وإذا ربطنا مفهوم المواطنة بالديمقراطية نجد أن المواطنة ركيزة الديمقراطية، فلا يوجد مجتمع ديمقراطي، لا يعتمد في بنيانه على كل مواطن.
(http://www.ecwregypt.org/Arabic/pup/2002).
مفهوم الوطنيـة :
       تعرف الموسوعة العربية العالمية الوطنية بأنها "تعبير قويم يعني حب الفرد وإخلاصه لوطنه الذي يشمل الانتماء إلى الأرض والناس والعادات والتقاليد والفخر بالتاريخ والتفاني في خدمة الوطن. ويوحي هذا المصطلح بالتوحد مع الأمة" (1996م، ص 110).
       كما تعرف بأنها "الشعور الجمعي الذي يربط بين أبناء الجماعة ويملأ قلوبهم بحب الوطن والجماعة، والاستعداد لبذل أقصى الجهد في سبيل بنائهما، والاستعداد للموت دفاعاً عنهما" (www.albyan.com).
المواطنة والوطنيـة :
       لبيان الفرق  بين مفهوم المواطنة والوطنية يجب إدراج مفهوم آخر لا يقل أهمية عن المفهومين السابقين وهو مفهوم التربية الوطنية الذي يشير إلى ذلك الجانب من التربية الذي يشعر الفرد بصفة المواطنة ويحققها فيه، والتأكيد عليها إلى أن تتحول إلى صفة الوطنية، ذلك أن سعادة الفرد ونجاحه، وتقدم الجماعة ورقيها لا يأتي من الشعور والعاطفة إذا لم يقترن ذلك بالعمل الإيجابي الذي يقوم على المعرفة بحقائق الأمور والفكر الناقد لمواجهة المواقف ومعالجة المشكلات، فبهذا الجانب العملي تحصل النتائج المادية التي تعود على الفرد بالنفع والارتياح والسعادة، وعلى الجماعة بالتقدم والرقي (إسماعيل، 1998م، ص 43).
       ومعنى ذلك أن صفة الوطنية أكثر عمقاً من صفة المواطنة أو أنها أعلى درجات المواطنة، فالفرد يكتسب صفة المواطنة بمجرد انتسابه إلى جماعة أو لدولة معينة، ولكنه لا يكتسب صفة الوطنية إلا بالعمل والفعل لصالح هذه الجماعة أو الدولة وتصبح المصلحة العامة لديه أهم من مصلحته الخاصة.
       وقد أشار عبدالتواب إلى أن الحديث عن المواطنة والوطنية يختلف عن الحديث عن الانتماء والولاء، فأحدهما جزء من الآخر أو مكمِّل له. فالانتماء مفهوم أضيق في معناه من الولاء، والولاء في مفهومه الواسع يتضمن الانتماء، فلن يحب الفرد وطنه ويعمل على نصرته والتضحية من أجله إلا إذا كان هناك ما يربطه به، أما الانتماء فقد لا يتضمن بالضرورة الولاء، فقد ينتمي الفرد إلى وطن معين ولكنه يحجم عن العطاء والتضحية من أجله (عبدالتواب، 1993م، ص 108).
       ولذلك فالولاء والانتماء قد يمتزجان معاً حتى أنه يصعب الفصل بينهما، والولاء هو صدق الانتماء ، وكذلك الوطنية فهي الجانب الفعلي أو الحقيقي للمواطنة. والولاء لا يولد مع الإنسان وإنما يكتسبه من مجتمعه ولذلك فهو يخضع لعملية التعلم فالفرد يكتسب الولاء "الوطني" من بيته أولاً ثم من مدرسته ثم من مجتمعه بأكمله حتى يشعر الفرد بأنه جزء من كل (السليمان، 1998م، ص 196).
مكونات المواطنة :
للمواطنة عناصر ومكونات أساسية ينبغي أن تكتمل حتى تتحقق المواطنة وهذه المكونات هي :
1 -  الانتماء : إن من لوازم المواطنة الانتماء للوطن دار الإسلام "فالانتماء في اللغة يعني الزيادة ويقال انتمى فلان إلى فلان إذا ارتفع إليه في النسب ، وفي الاصطلاح هو الانتساب الحقيقي للدين والوطن فكراً تجسده الجوارح عملاً" (الدروع، وآخرون، 1999م، ص 32).والانتماء هو شعور داخلي يجعل المواطن يعمل بحماس وإخلاص للارتقاء بوطنه وللدفاع عنه. أو هو "إحساس تجاه أمر معين يبعث على الولاء له واستشعار الفضل في السابق واللاحق" (الزيد، 1417هـ، ص 60)..
2 -  الحقــوق :  إن مفهوم المواطنة يتضمن حقوقاً يتمتع بها جميع المواطنين وهي في نفس الوقت واجبات على الدولة والمجتمع منها :
§       أن يحفظ له الدين.       حفظ حقوقه الخاصة.   توفير التعليم.    تقديم الرعاية الصحية.    تقديم الخدمات الأساسية.    توفير الحياة الكريمة.     العدل والمساواة.       الحرية الشخصية وتشمل حرية التملك، وحرية العمل، وحرية الاعتقاد، وحرية الرأي.
هذه الحقوق يجب أن يتمتع بها جميع المواطنين بدون استثناء سواء أكانوا مسلمين أم أهل كتاب أم غيرهم في حدود التعاليم الإسلامية فمثلاً حفظ الدين يجب عدم إكراه المواطنين من غير المسلمين على الإسلام قال تعالى : ¼لا إكراه في الدين» (البقرة : 256)، وكذلك الحرية فهي مكفولة لكل مواطن بغض النظر عن دينه أو عرقه أو لونه، بشرط ألا تتعدى إلى حريات الآخرين أو الإساءة إلى الدين الإسلامي.
3 -  الواجبـات :  تختلف الدول عن بعضها البعض في الواجبات المترتبة على المواطن باختلاف الفلسفة التي تقوم عليها الدولة، فبعض الدول ترى أن المشاركةالسياسية في الانتخابات واجب وطني، والبعض الآخر لا يرى المشاركة السياسية كواجب وطني.
      ويمكن إيراد بعض واجبات المواطن في المملكة العربية السعودية التي منها :
  احترام النظام.       التصدي للشائعات المغرضة.       عدم خيانة الوطن.       الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.       الحفاظ على الممتلكات.
§       السمع والطاعة لولي الأمر.
§       الدفاع عن الوطن.
§       المساهمة في تنمية الوطن.
§       المحافظة على المرافق العامة.
§       التكاتف مع أفراد المجتمع.
هذه الواجبات يجب أن يقوم بها كل مواطن حسب قدرته وإمكانياته وعليه الالتزام بها وتأديتها على أكمل وجه وبإخلاص .
4 -  المشاركة المجتمعية :
       إن من أبرز سمات المواطنة أن يكون المواطن مشاركاً في الأعمال المجتمعية، والتي من أبرزها الأعمال التطوعية فكل إسهام يخدم الوطن ويترتب عليه مصالح دينية أو دنيوية كالتصدي للشبهات وتقوية أواصر المجتمع،وتقديم النصيحة للمواطنين وللمسؤولين يجسد المعنى الحقيقي للمواطنة.
5 -  القيم العامـة :
       وتعني أن يتخلق المواطن بالأخلاق الإسلامية والتي منها :
·  الأمانة : ومن معاني الأمانة عدم استغلال الوظيفة أو المنصب لأي غرض شخصي (الشيخ ، 1420هـ، ص 74).
·  الإخلاص : ويشمل الإخلاص لله في جميع الأعمال، والإخلاص في العمل الدنيوي واتقانه، والإخلاص في حماية الوطن.
·       الصدق : فالصدق يتطلب عدم الغش أو الخداع أو التزوير، فبالصدق يكون المواطن عضواً نافعاً لوطنه.
·       الصبر : يعد من أهم العوامل التي تساعد على ترابط المجتمع واتحاده.
·       التعاضد والتناصح : بهذه القيمة تجعل المجتمع مترابطاً ، وتتألف القلوب وتزداد الرحمة فيما بينهم.
ثانياً – الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة :
لبيان الاتجاهات الحديثة لتربية المواطنة يجب التأكيد علي أنه لا يوجد اتفاق بين المجتمعات حول الأولوية التي يجب أن تعطي لأي من أهداف النظام التعليمي، هل تكون الأولوية للأهداف الإدراكية "المعرفية" التي تعنى بتعليم الأفراد المهارات والمعارف؟ أو تكون للأهداف القيمية التي تعنى بإعداد الأفراد لكي يكتسبوا المواطنة، وإيجاد مواطن يحتفظ بقيم صحيحة للمشاركة في حياة المجتمع؟ أو تكون لأهداف التنشئة الاجتماعية التي تحاول أن تجعل الأفراد أكثر توافقاً للدخول في علاقات شخصية متبادلة مع الآخرين؟ (أحمد، 1997م، ص 20).
ولو نظرنا إلى جميع النظم السياسية نجد أنها تسعى بشكل أو بآخر من أجل تحقيق درجة قصوى من الانسجام السياسي بين مواطنيها، وتبرز التنشئة السياسية كموضوع رئيس يمتد من التربية الوطنية في العالم الغربي، إلى مفهوم تدريب الشخصية في النظم الاشتراكية السابقة، وإلى مفهوم التوجيه أو الإرشاد الروحي في الأنساق السياسية الكاريزمية، وفي كل الحالات تتحكم في العملية عدة متغيرات أهمها المواقف والأهداف والولاءات تجاه السلطة السياسية.
وقد أشار إلى أنَّ مجموعة الدول الاشتراكية قد حرصت قبل التحولات الضخمة التي بدأت في الثلث الأخير من عام 1989م على التأكيد على أن التعليم بها يستهدف خدمة النظام السياسي، فعلى سبيل المثال كان الغرض الرئيس للنظام التعليمي في تشيكوسلوفاكيا هو الاهتمام بفكرة المدرسة السياسية لتربية الشباب على القيام بدور نشيط في بناء دولة شعبية ديمقراطية. أما في يوغوسلافيا فهدفه تمكين الأجيال الصغيرة من المساهمة في التنمية المستمرة لقوى الإنتاج، وتقوية الروابط الاجتماعية، وتربيتهم على روح الولاء لوطنهم. ويلعب تدريس التربية الوطنية دوراً أساسياً في بث الروح الاشتراكية في هذه المجتمعات . فكان الهدف من تدريسها في رومانيا هو التأثير في أخلاقيات الشباب وإعدادهم بشكل إيجابي للاشتراك في مستقبل المجتمع الاشتراكي. وتهدف  التربية الوطنية في ألمانيا الشرقية إلى تزويد الطلاب بالمعرفة التاريخية والسياسية للتعرف إلى قوانين التطور الاجتماعي (علي، 1997م، ص 94). وتبقى ثمة حقيقة هامة أوردها أحمد وهي أن أمكانية النظام التعليمي ودوره في نقل القيم والمعتقدات السياسية لا تختلف من مجتمع ليبرالي ديمقراطي أو مجتمع شمولي سلطوي، إلا في جانب واحد وهو ما يطلق عليه التغذية الراجعة التي يمكن من خلالها أن يؤثر الطلاب في النظام السياسي والقيم التي يعتنقها (أحمد، 1997م، ص 25).
ومن هنا يتضح أن هناك اتفاقاً عاماً بين المختصين على أن تحقيق المواطنة الصالحة يمثل الهدف الرئيس للنظام التربوي في كل الدول، مما أدى بها للاهتمام بالتربية الوطنية، ولكن هذا الاهتمام يتفاوت من دولة إلى أخرى (المجادي، 1999م، ص 8).